بسم الله الرحمن الرحيم
قبل بضعة ايام قرأت مقالة لكاتب صديق
وراقتني كثيراً فهي تشد من يدخل أجزائها
الى ساحة من الرهب والخوف احيانا ولحظات الى الترقب وتجعلك تعيش تفاصيلها مع
الكاتب خطوة بخطوة وكان عنوانها ليلة في المقبرة .
ما جعل هذه المقالة مهمة لي وجعلتني اكتب
كلماتي هنا هو حجم ما شدتني إلى أدق
تفاصيلها وأعادتني إلى سنوات خلت كنت بها طفلة صغيرة طالبة في مدرسة وذكرياتي
اقتحمت علي كياني وارتسمت أمامي بكل وضوح , فصل الشتاء يلم أطرافه للرحيل وفصل
الربيع اخذ يعلن بكل وضوح انه قريب ويدق على الأبواب قبل يومي هذا تساقطت قطرات
المطر لتعلن ان الشتاء لا يزال يفرض سلطانه
وان له الكلمة الفصل طفلة صغيرة ترتدي زي المدرسة الأزرق تخط بقدميها
الصغيرتين الطريق بعد يوم دراسي الى البيت كل يوم نفس الطريق وبين يديها حقيبة
سوداء لو وزنا تلك الحقيبة لكانت أثقل من صاحبتها هي من العمر ثماني سنوات لم
تخترقهن بعد حقا .
في تلك اللحظة التي تغيرت عليها الأشياء جندي
محتل يشهر سلاحه في وجهها الصغير وقوامها
النحيل ( روخ بيتك ) هكذا يكون حرف ان سمعته منهم أغلقت انفك تسمرت في مكانها لا تعرف ما تصنع ( مروحه على
البيت من هون طريقنا ) ( بكول روخ بيتك ما في من هون طريك ) دارت الدنيا بها كيف
السبيل الى البيت ألان كل همها ان تصل البيت تراجعت بضع خطوات وأخذت تفكر من أين وأين.
على الحاجز واقف ذاك المحتل وسلاحه الذي هو
أطول منها قالت بنفسها ( ما في إلا إني أمر من المقبرة ) اجل المقبرة تصل الطريق الى البيت الممر الوحيد
الذي يمكن ان يوصلها لبيتها ومما كانت تسمع عن هذه المقبرة تحول الى هاجس أمامها
وعقدت العزم على المسير واستجمعت شجاعتها الا ان الجو الملبد بالغيوم أوحى لها
بخوف دفين سارت بخطى مضربه الى الداخل والمكان موحش وأشجار السرو والصنوبر تملئ
المكان وتضفي عليه هالة من الخوف والرهبة هي كانت تمر من قربها خارجا فتشعر
بقشعريرة تسري في جسدها فكيف ألان وهي
بخطواتها الصغيرة تخط على ارض المقبرة وتكاد تسمع وقع خطواتها كأنها دوي يصم الآذان
.
قاسية تلك اللحظات التي مرت عليها وبعدما أصبحت
أسيرة الداخل بين عمالقة المقبرة ( الأشجار) امتد بصرها الي قبر قد هدمته الأمطار
في الليلة الفائتة , وخرجت من داخلها صرخة مكتومة لم يقوى صوتها على الخروج لأول
مرة في حياتها ترى جمجمة بشرية , نعم هذا حارس المقبرة خرج ليحمي الموتى مني دارت هذه الأفكار برأسها
الصغير وأغمضت عينيها ولا تعلم كم مضى عليها وهي مسمرة إلى الأرض وأخذت تسترد أنفاسها
رويدا رويدا وسحبت قدمها الى الوراء دون ان تفتح عينيها خطوتين ثلاثة وصدرت عنها
صرخة مكتومة ثانية . هذه المرة أيقنت ان الموتى خرجو لها من يقف ورائها وإصبعه
يخترق شعرها .
أخذت تردد (والله ما كنت بدي اعدي من هون
اليهود هم الي خلوني منعو الطريق ) صور لها عقلها الصغير إن كل أشباح الأرض تدور
من حولها يا الله ما العمل وكيف أنجو من
هذا المصير لقد جاؤا للانتقام منها ومحاكمتها هي لحظات مرت كأعوام ان بقيت في
مكاني لا محالة اخذوني معهم علي بالهروب بعيدا لانجو واخذت تخطو بخطوات بطيئة في
البداية لتبتعد عن المكان وهي مغمضةُ العينين وعندما احست انها ابتعدت بقدر يسمح
لها بالانطلاق فتحت عينيها وتصبغ جو المقبرة هالة من الوحشة الزائدة على المكان فاشجار
المقبرة كثيفة وتظلل المكان وتجعلة يرتدي لونا قاتما بهذا اليوم الملبد بالغيوم
هنا وبلا وعي اطلقت ساقيها للرياح كهارب من وحش يلاحقه لافتراسه وصلت الي البيت
ولا تعلم كيف قطعت تلك المسافة ولكن من رئاها ايقن انها خارجة من فم الموت بلون اصفر كأن الدماء قد ودعت عروقها كيف وصلت
الى البيت لا تعلم المهم هي هنا حتى لم تسمع سؤال والدتها ( ليش اتأخرتي ) جلست على الارض تسترد انفاسها
الهاربة منها وتراقب الباب حتى تتأكد ان لا احد من اشباح المقبرة خلفها ومن كثرة
خوفها استسلمت لنوم عميق لم يوقظها منه الا صوت والدتها لتقوم بتبديل ملابس
المدرسة وتتناول طعامها .
ذكريات جلت بها وكاني اعيش نفس الموقف ومر
علي تلك الفكرة التي راودتني عندما كان السؤال من يقف خلفي ما هي الا شجرة من
اشجار الضنوبر وعود متدلي قد غرس في شعري ارتسمت ابتسامة على محياي الان لست خائفة
من تلك الذكريات ولكن لو طلب مني ان ادخل تلك المقبرة الان فلت ادخلها ليس خوفا بل
لاني كلما تذكرتها سرى بداخلي شعور غريب لا اعرف وصفه الا بانه احترام لساكني تلك
القبور والذين يدعوننا كل يوم لزيارتهم والبقاء معهم .
ربما احدكم يقول ما لنا وللقبور وذكريات
بينها الا انها استحوذت علي وارت ان تشاركوني بها بعدما تشاركت مع صديقنا الكاتب
يوم له في المقبرة .
رحم الله أمواتنا وأموات المسلمين أجمعين .
